الشيخ محمد الصادقي

35

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

وقد تعني « من » هنا التبيين إلى جانب التبعيض ، تبعيضاً بالنسبة للمسلمين أنفسهم ، وتبييناً بالنسبة لكافة المكلفين ، ان يكون المؤمنون أنفسهم ككلٍّ دعاةَ الناس إلى الخير ثم أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر . فواجب الدعوة والأمر والنهي في الوسط الإسلامي كفائي ، وفي الوسط العالمي عينيٌّ إذ لا كفاية في دعوة البعض ، ولا أقل من أن يكونوا دعاة الناس بغير ألسنتهم ، وأمثولات الحق بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم . وواجب التكوين ذو بعدين اثنين ان يصنع كلٌّ نفسه لصالح الدعوة ويصنع آخرين لها أو يدعوهم لذلك الصالح الجماهيري ، تواصياً بينهم بذلك الحق الحقيق بالتواصي كرأس الزاوية في التواصي الإيماني السامي . و « الْخَيْرِ » المدعو إليه هنا هو خير الايمان والتقوى والاسلام المتبنية خير الإعتصام بحبل اللَّه جميعاً دون تفرق ، والجامع لها على حد قول الرسول صلى الله عليه وآله « اتباع القرآن وسنتي » « 1 » الذي يتوحد في الإعتصام بحبل اللَّه جميعاً دون تفرق ، فكما أن حبل اللَّه واحد في أصله ، كذلك الخير ، فأصل الخير هو حبل اللَّه كما أن حبل اللَّه هو الخير . ثم الخير هنا مبتدءٌ بالسلب وهو ترك ما يناحر الإعتصام بحبل اللَّه ، ومختتم بالايجاب وهو نفس الإعتصام ، وهكذا يكون كل خير كما ومبدء كل خير هو المركب من السلب والايجاب : « لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ » . إذاً ف « الْخَيْرِ » تعم خيراً ثقافياً - عقيدياً - خلقياً وعملياً ، ايجاباً للواجبات وسلبا للمحرمات ، وهذا هو رأس الزاوية في « الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ » ثم يأتي دور الأمر والنهي بشروطهما المسرودة في الكتاب والسنة ، فلا أمر ولا نهي قبل الدعوة الصالحة إلى الخير ، ف « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » « 2 » .

--> ( 1 ) ) . الدر المنثور 2 : 62 - اخرج ابن مردويه عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : قرأ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله « وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ . . » ثم قال : الخير اتباع القرآن وسنتي ( 2 ) . 16 : 25